وصفُ من غزا حضرموت بـ”الشهيد” ليس مجرد زلة خطاب، بل هو انقلاب كامل على المفاهيم، واستهانة صريحة بوعي الناس وذاكرتهم. أي منطق هذا الذي يحوّل الغازي إلى ضحية، ويمنح القاتل صفة القداسة، ويغسل أيدي من سفكوا الدماء بعبارات عاطفية جوفاء؟
حين يُقدَّم من دخل أرضاً بالقوة، وروع أهلها، وسفك دماء أبنائها،وحمل مشروع وأجندات صهيونية على أنه “شهيد”، فإننا لا نكون أمام رأي مختلف، بل أمام تزوير متعمد للواقع، ومحاولة لفرض سردية مقلوبة تُساوي بين الجلاد والضحية. كيف يمكن لعاقل أن يتقبل هذا الطرح؟ وكيف يُراد للناس أن تصدّق أن منتهك الحرمات، ومثير الفوضى، هو ذاته من يُرفع إلى مقام الشهداء؟
الشهيد، في وعي الشعوب، هو من دافع عن أرضه، وحمى أهله، ووقف في وجه الظلم، لا من جاء غازياً، ولا من اعتدى، ولا من استباح الدماء. أما تحويل المعتدي إلى “شهيد”، فهو إهانة حقيقية لكل من ضحّى دفاعاً عن كرامته وأرضه، وتشويه لمفهوم الشهادة ذاته.
هذا الخطاب لا يعكس فقط خللاً في التوصيف، بل يكشف عن عقلية تحاول إعادة تشكيل الحقائق بما يخدم مصالحها، ولو على حساب المنطق والعدالة. إنها لغة تضليل، تسعى لتخدير الوعي، وتجميل القبيح، وفرض رواية لا تصمد أمام أبسط أسئلة العقل.
أي تنوير هذا الذي يُبنى على قلب الحقائق؟ وأي مشروع يمكن أن يقوم على تزوير الوقائع؟ إن الشعوب قد تُخدع لحظة، لكنها لا تنسى، ولا يمكن أن تُقنع بأن من اعتدى عليها هو بطل، أو أن من أذاقها ويلات الحرب هو شهيد.
في النهاية، تبقى الحقيقة أوضح من أن تُطمس، وأقوى من أن تُزيّف. ومن يحاول العبث بها، إنما يراهن على وعيٍ غائب، لكنه في الواقع يواجه ذاكرة لا تموت، وعقلاً لا يقبل أن يُهان بهذه البساطة.
صحيفة الراية الحضرمية
صحيفة الرأية الحضرمية صحيفة حضرمية مستقلة