*بقلم: الأستاذ محمد صالح بدر بن محمد بن عمر*
*في صفحات التاريخ المشرقة، تبرز أسماء صنعت الفارق وأسست لمستقبلٍ أكثر إشراقًا، وفي مقدمة هؤلاء يأتي الأستاذ عبدالله أبوبكر بن عيسى بن سالم الزبيدي، (والد الدكتور أبوبكر عبدالله الزبيدي الله يرحمه)، الذي ارتبط اسمه ببدايات التعليم النظامي في منطقة “بحيرة” بمديرية شبام، حتى أصبح رمزًا للصبر والإخلاص في ميدان التربية والتعليم.*
*الجذور و البدايات: من “ثبي” إلى “بحيرة”*
*وُلد الأستاذ عبدالله الزبيدي عام 1936م في منطقة ثبي بمدينة تريم، وحمل على عاتقه رسالة تعليمية سامية في وقتٍ كانت فيه المنطقة تعتمد بشكلٍ كامل على أساليب التعليم التقليدي المعروفة بـ”المعلامة”. و بعد منتصف الستينيات من القرن الماضي، وتحديدًا في آخر عهد الدولة الكثيرية، أُوفد من مكتب التربية بسيئون إلى منطقة “بحيرة” وكان عمره 29 عاماً، ليبدأ رحلة مليئة بالتحديات والطموح.*
*الحكمة في مواجهة التحديات: كسب ثقة المجتمع*
*في بداياته، واجه تحفظًا من بعض الأهالي المتمسكين بنمط التعليم التقليدي “المعلامة” المرتبط بإمام المسجد الجامع، خشية أن يؤدي التعليم النظامي إلى اندثار هذا الموروث، خاصة أن الأستاذ عبدالله الزبيدي جاء بعد محاولاتٍ رائدة لترسيخ التعليم النظامي لم يكتب لها السداد.*
*غير أن الأستاذ عبدالله تعامل مع هذا الواقع بحكمةٍ بالغة؛ إذ تولّى إمامة مسجد جامع بحيرة لمدة عام كامل، فكان يؤدي الصلوات ويشارك الناس أدعيتهم، ويحيي ليالي رمضان بصلاة التراويح، مقتديًا بمن سبقه كالإمام شيخ بن عبدالله باحميد، ومندمجًا في حياة المجتمع اليومية. وبهذا النهج القريب من الناس، استطاع أن يكسب ثقة الأهالي، ويمهّد الطريق لتقبّل التعليم النظامي بوصفه خطوةً نحو التقدم، لا بديلاً عن القيم والموروث.*
*تأسيس الصرح التعليمي: تلاحم مجتمعي منقطع النظير*
*لم تكن رحلته مجرد مهنة، بل كانت رسالةً صيغت ملامحها من الصبر الذي يطاول الجبال، لتبدأ الحكاية من عتبات منزل السيد محمد بن عيدروس الحامد وموقعه سابقاً (شرقي مسجد جامع بحيرة)، الذي احتضن أول صفين دراسيين لمدة عام كامل، شكّلا اللبنة الأولى في بناء صرح التعليم النظامي بالمنطقة.*
*ومع اتساع رقعة التعيلم في السنة التالية، تمددت الدراسة لتستقر في بيوتٍ آمنت بالرسالة؛ فكان منزل “عمر بن بشر بن محمد بن عمر” مأوىً لطلاب الصف الثالث، بينما احتضن منزل “محفوظ مهدمي” طلاب الصف الأول، في صورةٍ تجسد التلاحم المجتمعي لإنجاح هذا الصرح الوليد، وأصبح الزبيدي اول مديراً ومعلما لذالك الصرح التعليمي والذي سمي بمدرسة بحيرة الابتدائية.*
*تطوير المنهج والأنشطة: نقلة تعليمية نوعية*
*عمل الأستاذ عبدالله الزبيدي على استقدام المناهج الدراسية من إدارة التربية بسيئون، والتي شملت الصفوف من الأول إلى الرابع، وبدأ في تنظيم العملية التعليمية من خلال تصنيف الطلاب وتوزيعهم في صفوف منتظمة. ولم يقتصر دوره على الإدارة و التدريس فحسب، بل وضع نظامًا مدرسيًا متكاملًا، إلى جانب إدخال أنشطة لا صفية جديدة، مثل المسابقات والمسرحيات، التي أسهمت في جذب الطلاب وتحفيزهم.*
*كما حرص الأستاذ الزبيدي على تلطيف الأجواء التعليمية، فكان يُعلّم طلابه الأناشيد التربوية ويلحنها لهم، ومن أشهرها:*
*أشرقت شمس والضحى.. في السماء الصافية*
*وهي تعطي مَن صحا.. صحةً صحةً..*
*وهي تعطي مَن صحا.. صحةً وعافية*
*روح الفريق: رفقاء الدرب والإخلاص*
*من أبرز التحديات التي واجهته أيضًا، كان عمله في البداية منفرداً؛ إذ جمع بين الإدارة والتعليم في وقت واحد ، ما دفعه لطلب الدعم من مكتب التربية بسيئون، فتم رفده بمعلمين أسهموا في تعزيز العملية، وكان من بينهم الأستاذ حسن بن عمر بن حسن العيدروس من تاربه، ثم استبدل بالأستاذ محمد حسين العيدروس (رئيس مجلس الشورى حالياً في صنعاء)، والذي كان يتنقل يوميًا من سيئون إلى بحيرة على دراجته النارية، في صورة تعكس روح الإخلاص والتفاني.*
*عبق الشعر والحنين: توثيق الوجدان الشعبي*
*لأن التاريخ لا ينسى الجانب الإنساني، فقد رافق الزبيدي في رحلته ابنه البكر “زين” والأستاذ عمر بن حسن العيدروس في سكنه في بحيرة، ووثق الأستاذ عمر هذه الرفقة بأبياتٍ عفوية يقول فيها:*
*يا مسافر على ثبي بلاد التبيله..قلهم أن زين واستاذه عمر في بحيره*
*رب يسر لوالدنا حريمه جديده…لي تلقي العشاء والخبز هو والفتيته*
*كما مزج الأستاذ عمر بن حسن العيدروس بين تهنئة الأستاذ الزبيدي بزواجه في بحيرة والاحتفاء بثورة أكتوبر، في أبيات تجسد تلاحم الأفراح الشخصية بالانتصارات الوطنية، يقول فيها:*
*ابو زين تهناك فرحتنا.. عسالك أيام مرضية*
*تعيش انت ومحبوبك.. في خير يا صادق النية*
*ليام تروي أحاديثك.. كم لك مواقف أصولية*
*من عمد لا حصن فلوقة.. زراعتك بالثمر حية*
*حيوا معي ثورة أكتوبر.. ثورة قوية وشعبية*
*وعمّت أفراح في البندر .. جبهتك يا شعب قومية*
*أثرٌ لا يمحوه الزمن: الزبيدي في قلوب تلاميذه*
*إن المقياس الحقيقي لنجاح أي مربٍّ يكمن في “البصمة” التي يتركها في أرواح تلاميذه. واليوم، حين يُذكر اسم الأستاذ عبدالله الزبيدي في مجالس “بحيرة”، تفيض الأعين بالتقدير؛ فقد نجح في أن يكون والداً وموجهاً قبل أن يكون معلماً. هؤلاء الطلاب الذين أصبحوا اليوم كباراً في السن، لا يزالون يذكرون تفاصيل أيامه ، والبعض منهم لازال يحتفظ بشاهدته التي كتبت بخط يده ، ويعتبرون اسمه أيقونةً حية تتناقلها الأجيال في بحيرة بكل فخر واعتزاز.*
*خاتمة ووفاء*
*استمرت مسيرة الأستاذ عبدالله الزبيدي في خدمة التعليم ببحيرة حتى بعد سقوط الدولة الكثيرية وحتى بعد قيام الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية إلى عام 1969م، تاركاً إرثاً تربويّاً عظيماً. إن الحديث عنه هو توثيق لمرحلة مفصلية ووفاء لرجل آمن برسالته فصنع من التحديات إنجازاً.*
*ختاماً، نسأل الله أن يمنح الأستاذ عبدالله الزبيدي وجميع الأساتذة الذين ساهموا في تأسيس التعليم في بحيرة الصحة والعافية، وأن يبارك في علمهم وعطاءهم، وأن يغفر ويرحم لمن توفي منهم و يجعل أعمالهم خالدة في ميزان حسناتهم.*

صحيفة الرأية الحضرمية صحيفة حضرمية مستقلة