منذ عام 1967، لم تدخل حضرموت في إطار اليمننة كشريك حقيقي، بل كطرف احتل يدفع الكلفة دون أن يجني المكاسب. وعلى امتداد أكثر من سبعه عقود، يمكن قراءة مسار حضرموت بوصفه مسار تحسّر مستمر: أرضٌ غنية تُستنزف، وإنسانٌ صابر يُرهق، وهويةٌ تُحاصر بين مشاريع لا تمثله.
منذ البداية: مشروع لا يشبه حضرموت
عندما أُدخلت قصرا حضرموت في دولة الجنوب بعد الاستقلال، لم تُعامل ككيان له خصوصيته، بل كجزء يُفترض أن يذوب في مشروع أيديولوجي مركزي. فكانت النتيجة ضرب الاقتصاد المحلي بسياسات التأميم، وتفريغ حضرموت من رؤوس أموالها، وبدء أولى موجات التحسّر: لا تنمية، ولا تمكين، بل شعارات كبيرة وواقع يتآكل.
سلسلة الصراعات: حضرموت تدفع الثمن دائمًا
منذ ذلك التاريخ، لم تعرف حضرموت الاستقرار، بل وجدت نفسها في قلب أو على هامش صراعات متتالية، منها:
صراعات الجنوب الداخلية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، والتي بلغت ذروتها في أحداث 1986 الدامية، حيث دفعت حضرموت ثمن صراع مراكز القوى دون أن تكون طرفًا فيه.
حرب 1994 بعد الوحدة، التي كرّست الهيمنة المركزية الشمالية، وحوّلت حضرموت إلى منطقة نفوذ تُدار من خارجها.
ال ان قام نظام صالح بدعم تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة في العقدين الأخيرين، وصولًا إلى ان سلم نظام صالح تنظيم القاعدة المكلا عام 2015، في مشهد يعكس حجم التامر على اهل حضرموت ومحاولة لصق سلوك بالحضارم هم بعيدين عنه .
الحرب اليمنية المستمرة منذ 2015، حيث أصبحت حضرموت ساحة نفوذ وصراع غير مباشر بين أطراف متعددة، شمالية وجنوبية .
في كل هذه المحطات، لم تكن حضرموت صاحبة قرار، بل ساحة تُدار عليها الصراعات، وتتحمل نتائجها.
جنوبًا وشمالًا: نفس النتيجة
سواء تحت حكم الجنوب قبل الوحدة، أو تحت سلطة الشمال بعدها، أو في ظل الانقسامات الحالية، لم يتغير جوهر المعادلة: حضرموت تُستنزف ولا تُبنى.
الشعارات تغيّرت، لكن الواقع بقي واحدًا:
وعود بالتحرير أو الوحدة أو الاستقلال… دون مشاريع تنمية حقيقية.
رفع رايات وأعلام… مقابل غياب أبسط الخدمات.
صراعات على السلطة… بينما المواطن الحضرمي خارج الحسابات.
ثروة تُنهب… وخدمات غائبة
حضرموت من أغنى المناطق بالثروات، خصوصًا النفط، لكن هذه الثروة تحولت إلى نقمة:
لا بنية تحتية توازي حجم الموارد.
لا خدمات مستقرة في الكهرباء والمياه والصحة.
لا استثمار حقيقي يعيد العائد إلى الأرض التي يُستخرج منها.
المحصلة: ثروة تُدار بعقلية فساد، وتُوزع خارج حضرموت، بينما يعيش أبناؤها نقصًا في أبسط مقومات الحياة.
مستنقع الفساد والشعارات
أخطر ما واجهته حضرموت ليس فقط الصراعات، بل المنظومة التي أدارتها:
مجموعات تتنازع النفوذ، ترفع شعارات كبرى—وطنية أو ثورية أو مناطقية—لكنها على الأرض لا تبني مؤسسات، ولا تؤسس لتنمية، بل تُدير شبكة مصالح ضيقة.
تحولت القضية من بناء دولة إلى تقاسم نفوذ، ومن خدمة الناس إلى استغلالهم.
الخلاصة: حضرموت في دائرة الاستنزاف
من 1967 إلى اليوم، لم تكسب حضرموت من جرها في الصراعات اليمنية—شمالها وجنوبها—إلا المزيد من التراجع.
اكتوت بنار الجميع:
بنار الأيديولوجيا حين فُرضت عليها.
بنار المركزية حين همّشتها.
بنار الصراعات حين تحولت إلى ساحة.
وما تزال حتى اليوم عالقة في هذا المستنقع: ثروة بلا سيادة، وموقع بلا قرار، وشعب ينتظر أن يتحول من متلقٍ للأزمات إلى صانعٍ لمستقبله.
.صحيفة الراية الحضرمية.
صحيفة الرأية الحضرمية صحيفة حضرمية مستقلة