✒️ : أحمد سعيد بزعل
*هامات حضرمية زاوية وفاء، نُطل بها عليكم لنضيء سيرة رجالٍ صنعوا الفرق في سيئون ووادي حضرموت.
منهم من قضى نحبه، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة.. لكن بصماتهم باقية لا تغيب.
هنا نكتب عن الخيرين، والمصلحين، والجنود المجهولين الذين خدموا الأرض والإنسان. نكتب كي لا ننسى، وكي يقتدي الجيل بهاماتٍ رفعت اسم حضرموت عالياً.
نتمنى أن تبادر الصحف والمواقع الإخبارية الحضرمية بتخصيص مساحة أسبوعية لهذه الزاوية، وسنسعد بذلك كثيراً.
*الهدف: أن نوثق معاً سِيَر هامات حضرمية قدمت للأرض والناس الكثير والكثير، قبل أن يطويها النسيان.
*نكتب لأن الوفاء دين.. والتاريخ أمانة.
الحلقة (1)
*صالح سالم عمير.. قلب حضرموت النابض بالثقافة والوفاء*
اليوم لا نكتب عن شخصية عابرة. اليوم نتوقف عند هامة ثقافية وأدبية غير عادية، عند رجلٍ إذا ذكرت الطيبة ذُكر، وإذا تحدثت عن الوفاء كان عنوانه.
*صالح سالم عمير.. اسم يعرفه كل من اقترب من إذاعة سيئون، أو من قصر سيئون ، أو دخل مكتبته الصغيرة في سوق سيئون سابقاً. تلك المكتبة التي كانت منتدىً ليلياً للمثقفين، ومجلساً نتناقش فيه حتى التاسعة ليلاً عن الإعلام والثقافة والأدب. وشهادتي فيه مجروحة، لأنه وقف معي شخصياً وقفة الأخ لأخيه، وربطتنا به علاقات أسرية ممتدة إلى اليوم.
*عمير ليس مجرد شاعر أو إذاعي. هو حالة إنسانية نادرة.
حساس، عاطفي، محب للجميع، وله قلب يتسع لكل مبدع ولكل شاب طامح. وحيد أسرته، لكنه حمل هموم جيل كامل. عاش زمناً لا يلتفت فيه المسؤولون للشرفاء وأصحاب الكلمة الصادقة.. أولئك الذين لا مكان لهم عند من يوزعون المناصب على الولاءات.
*ولد الشاعر والأديب صالح عمير عام 1960م في حوطة أحمد بن زين بمديرية شبام. التحق بثانوية سيئون عام 1976م وتخرج منها 1979م. ورغم أنه وحيد أبيه، وافق على الذهاب للتجنيد، ثم توظف عام 1982م بالمركز اليمني للأبحاث الثقافية والآثار والمتاحف بجانب المؤرخين الكبيرين عبدالقادر الصبان وجعفر محمد السقاف، فنهل من علمهما وأدبهما.
*من لا يعرف برنامج “مجلة الثقافة والأدب”؟ البرنامج الذي استمر أكثر من 16 سنة متواصلة، وكان بلا منازع من أفضل ما قدمته إذاعة سيئون. ولي الشرف أني نفذت حلقاته الأولى مع الزميل المثقف نبيل سعيد مطبق، ثم تعاقب عليه مبدعون آخرون كالزميل المتمكن محمد ياسين.
*الغريب أن عمير بدأ علاقته بالإذاعة وهو طالب في الثانوية. لمحه الراحل أبوبكر محسن الحامد أحد مؤسسي الإذاعة، وطلب منه إعداد برامج ثقافية وهو لا يزال على مقاعد الدراسة. هكذا تولد القامات.. مبكراً.
*ومن المواقف التي لا تُنسى: أن الشاعر والأديب العربي الكبير الراحل الدكتور عبدالعزيز المقالح تواصل شخصياً مع عمير، لأنه كان يتابع ما يكتبه في الصحف والمجلات آنذاك. وحين علم أن أخانا صالح تقاعد مبكرا لظروف خاصة، سعى بنفسه لإعادته للعمل، ولما تعذر ذلك بسبب طول فترة الانقطاع، تحرك مع المؤسسة اليمنية للإذاعة والتلفزيون لعمل عقد تعاون معه. وتكللت مساعيه بالنجاح بعد متابعات حثيثة من المدير السابق للإذاعة آنذاك الأستاذ أحمد محفوظ بن زيدان. ولا يزال عمير متعاقداً مع الإذاعة حتى اليوم.
ولا تزال إدارة إذاعة سيئون ممثلة في مديرها الشاب هدار الهدار على تواصل دائم معه، وتزوره بين فترة وأخرى، تقديراً لمبدع وخلوق بحجم صالح عمير.
*في عام 2012م تعرض أخونا أبو سالم لانسداد في 3 شرايين بالقلب. وهنا كانت الفاجعة الأخرى: لم يلتفت إليه أحد من السلطة المحلية آنذاك. تُرك وحيداً يواجه الموت. لكن الله سخر له أهل الخير.
بعد أن كتبتُ أنا شخصياً عن مصابه، وكتب الزميل والصحفي المتمكن علي سالمين العوبثاني موضوعاً آخر، قرأهما رجل الخير الشيخ محمد عوض باشعيب رئيس مؤسسة القلب الخيرية. وعلى الفور تحمّل كل نفقات علاجه وسفره. أجريت له عملية قلب مفتوح ناجحة في تعز مطلع 2013م، وعاد لبيته وأولاده يواصل عطاءه. حفظ الله الشيخ باشعيب وجعلها في ميزان حسناته.
*أبرز تكريم ناله عمير كان في عام 2016م حين زاره إلى بيته الوكيل المساعد هشام السعيدي مع كوكبة من المثقفين، ورفع الوكيل الأول عصام حبريش الكثيري خطاباً لرئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر لتعيينه مستشاراً ثقافياً في ديوان وكيل المحافظة. تم التعيين.. وهو تكريم يليق به ورد اعتبار لشاعر متميز.
*عمير لم ينجب أبناءً فقط، بل أنجب مشروعاً ثقافياً. له أربعة أولاد وبنتان، كلهم تأثروا بوالدهم. ابنتاه *فيروز وسالي خريجات جامعة بامتياز. وحتى اختياره للأسماء كان بعناية. ابنته المبدعة وكاتبة النصوص سالي فازت بجائزة رئيس الجمهورية عام 2014م في الفن المسرحي.
*رغم ظروفه الصحية، لا يزال حضوره لافتاً على فيسبوك. يكتب في الأدب والثقافة والشأن الاجتماعي، وينشر نصوصه الشعرية. صفحته قبلة للمثقفين من حضرموت وخارجها، وله أصدقاء عرب ينشرون مقالاته ويجرون معه مقابلات. يكتب في حضرموت الثقافية يترأس تحريرها للدكتور عبدالقادر باعيسى، وحوريت الثقافية صاحبها يمني من الامارات يرأس تحريرها الدكتور سعيد الجريري، والفكر الغيلية، وصحيفة 30 نوفمبر.
*طُبع له ديوانان: “باقة ورد” على نفقة صديق مغترب، و”تغاريد” طبعه هشام غالب بن طالب حين كان مديراً لشبام. ولديه كتب نثرية جاهزة للطبع: “30 كتاباً في كتاب واحد”، “صفحات من السيرة”، “شعراء من الوادي”، وغيرها.
*كلمة إنصاف أخيرة:
صالح سالم عمير.. أبو سالم من الناس النزيهين الذين يعيشون على رواتبهم البسيطة. لم يتلون، لم يتملق، لم يبع قلمه. كتب عنه الكثيرون وأشادوا بنتاجه. لكننا اليوم نكتبه وفاءً لرجل أعطى ولم يأخذ، أكرم الناس ولم يُكرم كما يجب.
يا أبا سالم.. أنت لست مستشاراً ثقافياً في ديوان الوكيل فقط، أنت مستشار في ضمير كل مثقف حضرمي شريف.
نسأل الله أن يمتع أخانا صالح سالم عمير بالصحة والعافية وطول العمر، وأن يظل حضوره المشرّف بيننا شامخاً، متحدياً المصاعب كما عهدناه دوماً.
هامات حضرمية”.. لأن الوفاء دين، والتاريخ امانة
صحيفة الرأية الحضرمية صحيفة حضرمية مستقلة