بقلم: وليد سالم محمد بن عبدات.
رحلت المليشيا، وانقشع غبار آلياتها عن شوارع حضرموت، لكن هل انتهت المأساة حقاً؟
يخطئ من يظن أن جروح الأوطان تندمل بمجرد انسحاب المعتدي. فخلف الستار الذي حاول الهاربون إسداله، تكمن حقائق مرعبة وثقتها التقارير الحقوقية بـ 832 انتهاكاً، وقصص لـ 5600 أسرة مشردة، وجرائم لا تزال ملفاتها تصرخ في وجه الضمير الإنساني والوطني.
إن الجريمة الأبشع التي لا يجب أن تمر مرور الكرام، هي تحويل مدننا المكتظة بالأبرياء إلى “مستودعات للموت”. لقد استباح المعتدي حرمة البيوت والمرافق العامة، مخزناً فيها سلاحه وباروده، ومحولاً حياة الآلاف من المواطنين والنازحين المندمجين إلى رهائن وقنابل موقوتة. وبالرغم من إفراغ تلك المستودعات عند فرار تلك القوات، إلا أن “الفعل الجرمي” يظل قائماً؛ فتعريض حياة السكان لخطر الإبادة هو جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، ولا يمحوها الهروب الكبير.
ولعل الأشد إيلاماً من رصاص المليشيا هو “صمت الدولة” وتقاعسها المريب. فكيف لمؤسسات القضاء والنيابة العامة أن تقف موقف المتفرج أمام تشريد آلاف الأسر، وقتل 54 نفساً بريئة، ونهب 377 منزلاً ومنشأة؟ إن هذا التقاعس هو “ضوء أخضر” ضمني لكل من تسول له نفسه العبث بحضرموت، ورسالة خذلان لضحايا لم يجدوا من دولتهم سوى الصمت المطبق بينما كانت بيوتهم تُنهب وكرامتهم تُستباح.
وهنا، نوجه النداء إلى وجهاء حضرموت وأعيانها، يا من كنتم دوماً حائط الصد الأخير: إن دوركم اليوم هو انتزاع الحقوق لا مهادنة الواقع. إن مأساة الأسر المهجرة، وأغلبهم من النازحين الذين استجاروا بحضرموت فصاروا جزءاً من نسيجها، تتطلب حراكاً مجتمعياً ضاغطاً لفرض “جبر الضرر” كأولوية قصوى. لا يمكن لحضرموت أن تتعافى طالما هناك طفل مهجر أو أب منهوب أو مجرم هارب من يد العدالة.
إننا اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن نؤسس لدولة النظام والقانون بملاحقة هؤلاء الجناة ومحاسبتهم على كل رصاصة وكل مخزن سلاح زُرع بين البيوت، وإما أن نقبل بسيادة “قانون الغاب”. الرحيل ليس براءة ذمة، والسكوت ليس حلاً، والعدالة هي الطريق الوحيد والوحيد فقط لضمان ألا تتكرر هذه المأساة مرة أخرى.
ستظل ملفات انتهاكات ديسمبر 2025 مفتوحة، ولن يُغلق أكبرها إلا حين يُنصف ويُعوض كل متضرر عما لحق به من أذى مادي أو معنوي، ويُساق آخر معتدٍ إلى منصة العدالة.
صحيفة الرأية الحضرمية صحيفة حضرمية مستقلة