الأربعاء , سبتمبر 2 2026

حضرموت لا تُدار بالشعارات

كتب / أمين بن كده

لم تعد حضرموت اليوم هي حضرموت الأمس، ولم يعد الحضارم ينظرون إلى مستقبلهم بالطريقة ذاتها التي كانوا ينظرون بها إليه قبل سنوات.

لقد نشأت داخل المجتمع الحضرمي، خلال السنوات الأخيرة، نسبة وازنة تحمل فكراً مختلفاً، وطموحاً مختلفاً، ورؤية أكثر وضوحاً لمكانة حضرموت ومستقبلها. وأصبح مشروع الهوية الحضرمية أكثر تجذراً واتساعاً، ولم يعد مجرد حنين إلى الماضي أو خطاباً نخبوياً محدوداً، بل تحول لدى شريحة واسعة إلى قناعة بأن لحضرموت خصوصيتها ومصالحها وحقها في أن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة اي قرار مستقبلي.

ولهذا فإن التعامل مع الحضارم اليوم بالشعارات، والعبارات المنمقة، والوعود التي تتغير بتغير الظروف السياسية، لن يجدي نفعاً.

فالحضرمي الذي أصبح أكثر وعياً بما يدور حوله، وأكثر قراءة لتجارب العقود الماضية، لم يعد يبحث عن من يجمّل له الواقع بالكلام، وإنما عمن يقدم له ضمانات حقيقية وشراكة واضحة ومشروعاً قابلاً للحياة.

ولعل بيت الشاعر الكبير حسين المحضار، رحمه الله، يلخص شيئاً من هذا الشعور:

 

«تظهر لي الود في ثوب الزفاف

والمكر تخفيه من خلف اللحاف

وتقول للناس أشياء زائفه»

لقد سئم الحضارم من الود الذي يظهر في ثوب الزفاف، بينما تُخفى النوايا الحقيقية خلف اللحاف.

من الإقليم إلى الحكم المحلي… إلى ماذا بعد؟

المشكلة ليست فقط في الشعارات، بل في المسار المتراجع للوعود السياسية تجاه حضرموت.

ففي مراحل سابقة، كان الحديث عن حق حضرموت في حكم ذاتي، أو عن إقليم مستقل، أو عن صيغة سياسية تمنحها مساحة واسعة من إدارة شؤونها ومواردها.

ثم بدأ الخطاب يتدرج إلى الحديث عن حكم محلي كامل الصلاحيات.

ثم أخذ يتراجع أكثر إلى حكم محلي واسع الصلاحيات.

وهنا يحق للحضارم أن يسألوا بكل وضوح:

 

إلى أين تتجه هذه الوعود؟

وهل المطلوب من حضرموت أن تقبل في كل مرحلة بأقل مما طُرح عليها في المرحلة السابقة، فقط لأن موازين القوى السياسية تغيرت؟

إن حضرموت ليست ورقة تفاوضية تُخفض مطالبها كلما تغيرت الظروف، وليست محافظة يُطلب منها أن تنتظر حتى تنتهي القوى الأخرى من ترتيب مصالحها ثم يُقال لها: هذا ما استطعنا أن نقدمه لك.

الجميع يريد حضرموت… ولا يريد حضرموت قوية

المفارقة المؤلمة أن معظم الأطراف اليمنية تنظر إلى حضرموت من زاوية واحدة تقريباً، وإن اختلفت شعاراتها:

الجميع يريد حضرموت، ولكن ليس الجميع يريد حضرموت قوية.

يريدون أرضها ومواردها وموقعها وثقلها الجغرافي والاقتصادي، لكن عندما يصل الحديث إلى أن يكون للحضارم قرارهم الحقيقي وشراكتهم الفعلية في إدارة أرضهم وثرواتهم، تبدأ الحسابات المختلفة.

والأخطر من ذلك أن كثيراً من القوى السياسية تراهن على استمرار حالة الانقسام الحضرمية.

فحضرموت الموحدة سياسياً واجتماعياً تمثل رقماً صعباً.

أما حضرموت المتفرقة، فهي قابلة للاستقطاب، وقابلة للتوظيف، وقابلة لأن يتحدث باسمها الآخرون.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الحضارم بأنفسهم هو أن يسمحوا للآخرين بأن يختاروا لهم ممثليهم، أو أن يحددوا لهم سقف مطالبهم، أو أن يجعلوا خلافاتهم الداخلية وسيلة لإبقاء القرار الحضرمي خارج حضرموت.

من 1967 إلى اليوم… الحضارم يتحملون جزءاً من المسؤولية

منذ عام 1967 وحتى اليوم، مرت حضرموت بمراحل سياسية قاسية ومتغيرة، وتعرضت لتحولات عميقة في بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن الحضارم أنفسهم يتحملون جزءاً كبيراً من مسؤولية استمرار هذه الدوامة.

ليس لأنهم سبب كل ما حدث لهم، وإنما لأنهم لم يتمكنوا حتى الآن من بناء موقف حضرمي جامع، قادر على تحويل ثقلهم الاجتماعي والجغرافي والاقتصادي إلى قوة سياسية متماسكة.

لقد سمحنا للخلافات الصغيرة أن تكبر، وللشخصيات أن تتقدم على المشروع، وللمصالح الفردية أن تزاحم المصلحة العامة، وللاختلاف السياسي أن يتحول أحياناً إلى خصومة اجتماعية.

 

وهنا يجب أن تكون المصارحة صريحة:

لا يمكن أن نطلب من الآخرين احترام مشروعنا ونحن مختلفون على تعريف هذا المشروع.

ولا يمكن أن نطالب الآخرين بالشراكة معنا ونحن لم نبنِ بعد الشراكة فيما بيننا.

المرحلة لم تعد مرحلة شعارات

حضرموت اليوم أمام فرصة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه أمام اختبار تاريخي.

والخروج من هذه الدوامة لا يكون باستبدال شعار بشعار، ولا بانتظار مبادرة من هنا او هناك ، ولا بالارتهان لهذا الطرف أو ذاك.

بل يبدأ من بناء قرار حضرمي مستقل.

قرار لا يعني العداء لأحد، ولا القطيعة مع أحد، ولا الدخول في مغامرات غير محسوبة، وإنما يعني أن تكون حضرموت صاحبة قرارها في تحديد مستقبلها ومصالحها وشكل علاقتها بمحيطها.

 

وهذا يتطلب عدة خطوات واضحة:

1. توحيد الصف الحضرمي حول الحد الأدنى من الثوابت والمصالح، بعيداً عن الأشخاص والمكونات والحسابات الضيقة.

2. صياغة مشروع حضرمي واضح ومكتوب يحدد ماذا تريد حضرموت سياسياً واقتصادياً وإدارياً، وما هي الضمانات المطلوبة لتحقيق ذلك.

3. تشكيل مرجعية حضرمية واسعة التمثيل تضم مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية والشخصيات المستقلة، بحيث لا يستطيع أي طرف الادعاء بأنه يمثل حضرموت منفرداً.

4. تحويل الهوية الحضرمية من حالة شعورية إلى مشروع سياسي ومؤسسي له أهداف وأدوات وبرنامج تفاوضي واضح.

5. رفض سياسة التدرج العكسي في المطالب؛ فلا يجوز أن يتحول ما كان يُطرح باعتباره حقاً سياسياً إلى مجرد صلاحيات إدارية كلما تغيرت موازين القوى.

6. بناء علاقات راسخ وقويه مع المملكه العربية السعوديه و متوازنة مع المحيط الإقليمي والدولي على قاعدة المصالح المشتركة،

7. الاستفادة من الثقل الاقتصادي والجغرافي لحضرموت لبناء أوراق قوة حقيقية، فالثروة والموانئ والموقع ليست مجرد موارد، وإنما أدوات تفاوض إذا أُديرت بعقل سياسي مسؤول.

8. إبعاد مشروع حضرموت عن صراعات الأشخاص؛ لأن المشروع الذي يرتبط بشخص يسقط بسقوطه، أما المشروع الذي يرتبط بإرادة مجتمع فيبقى.

9. الاحتكام إلى إرادة الحضارم أنفسهم عبر وسائل سلمية ودستورية وسياسية واضحة، وصولاً إلى صيغة تمنح حضرموت حقها في تقرير مستقبلها.

 

القرار الحضرمي يبدأ من الداخل

إن استقلال القرار الحضرمي لا يعني إعلان القطيعة مع اليمن، ولا يعني الدخول في مواجهة مع أحد، بل يعني أن يصبح للحضارم حق حقيقي في تحديد مستقبلهم دون وصاية من أي طرف.

وإذا أراد الحضارم أن يصلوا في نهاية المطاف إلى وضع سياسي مستقل، فإن الطريق إلى ذلك لا يبدأ بالبيانات الانفعالية، وإنما يبدأ ببناء مجتمع متماسك، ومرجعية جامعة، ومؤسسات قوية، ومشروع سياسي واضح، واقتصاد قادر على الصمود، ووعي شعبي واسع.

ثم يأتي الاحتكام إلى الإرادة الشعبية والوسائل السياسية والقانونية السلمية لتحديد الشكل النهائي الذي يريده الحضارم لمستقبلهم.

 

لقد تغيرت حضرموت.

والذين ما زالوا يتعاملون معها بعقلية الأمس، ويعتقدون أن بعض الشعارات والوعود تكفي لإسكات طموحها، لم يدركوا بعد حجم التحول الذي حدث داخل المجتمع الحضرمي.

حضرموت اليوم لا تبحث عن من يتحدث باسمها، بل عن شراكة حقيقية معها.

ولا تريد وعوداً تتغير كلما تغيرت الموازين.

ولا تقبل أن تكون مجرد خزينة للآخرين أو ساحة لصراعاتهم.

إنها تريد أن تكون صاحبة قرارها، وشريكة في مستقبلها، وأن يحدد أبناؤها مكانتها وشكل علاقتها بالآخرين.

والدرس الذي يجب أن يفهمه الجميع هو أن الزمن الذي كان يمكن فيه إدارة حضرموت بالكلام الجميل قد انتهى.

أما المستقبل، فلن تصنعه الشعارات.

المستقبل تصنعه إرادة حضرمية موحدة، ومشروع واضح، وقرار مستقل.

عن editor

شاهد أيضاً

عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت يصدر قرارات بالمؤسسة العامة للكهرباء بوادي وصحراء حضرموت

عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت يصدر قرارات بالمؤسسة العامة للكهرباء بوادي وصحراء حضرموت   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com