كتب / أمين بن كده
من يتأمل تاريخ حضرموت الحديث، ويقارن بين ما كانت تنتجه هذه الأرض قبل عام 1967 وما أنتجته في العقود التالية، يجد أمامه مفارقة تستحق الوقوف طويلًا:
كيف استطاعت حضرموت الفقيرة في مواردها، المحدودة في مدارسها وإمكاناتها، البعيدة عن مراكز العالم العربي، أن تنتج ذلك العدد اللافت من العلماء والأدباء والشعراء والفنانين والتجار والمثقفين؟ وكيف أصبح حضور الإبداع الحضرمي أقل من المأمول اليوم، رغم الجامعات والاتصالات والإنترنت واتساع فرص المعرفة؟
السؤال هنا ليس حنينًا إلى زمن مضى، ولا دعوة إلى إعادة نظام سياسي سابق، بقدر ما هو محاولة لفهم ما الذي كان موجودًا في المجتمع الحضرمي ثم فقدناه؟
حضرموت الفقيرة التي صنعت رجالًا أكبر من إمكاناتها
قبل عام 1967 لم تكن حضرموت دولة غنية، ولم تكن تمتلك جامعات حديثة ولا ميزانيات ضخمة ولا البنية التحتية المتاحة اليوم.
ومع ذلك، كانت تمتلك شيئًا ربما كان أثمن من المال: بيئة اجتماعية تقدّر العلم، ومجتمعًا أهليًا حيًا، ومدارس وجمعيات ومكتبات، وصلات واسعة بالعالم الخارجي، وتنافسًا بين المدن والأسر والمهاجرين على دعم التعليم والثقافة.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن حضرموت عرفت مبكرًا مدارس أهلية وحكومية وحركة ابتعاث إلى الخارج.
هذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تكشف أن حضرموت، رغم فقرها، كانت تبني منظومة لصناعة الإنسان.
علي أحمد باكثير.. شاهد على البيئة التي نتحدث عنها
لعل علي أحمد باكثير واحد من أوضح الأمثلة.
ولد في إندونيسيا عام 1910، لكنه عاد طفلًا إلى حضرموت ونشأ في سيئون، والتحق بمدرسة النهضة العلمية، ودرس العربية والشريعة، وبدأ نظم الشعر وهو في الثالثة عشرة، ثم أصبح مدرسًا وتولى إدارة المدرسة وهو دون العشرين من عمره. وبعد انتقاله إلى مصر أصبح واحدًا من أبرز الروائيين والمسرحيين العرب، ودرس في جامعة فؤاد الأول، وترجم شكسبير، وكان من رواد التجديد في المسرح والشعر العربي.
والسؤال الذي ينبغي أن نسأله اليوم:
كيف استطاعت سيئون قبل قرن تقريبًا، بإمكاناتها المتواضعة، أن توفر بيئة أولى أسهمت في تشكيل عقل بحجم علي أحمد باكثير؟
إنها ليست مسألة مبانٍ مدرسية فقط، وإنما ثقافة مجتمع.
وكذلك كان أبو بكر سالم
ولد أبو بكر سالم بلفقيه في تريم عام 1939، ونشأ في بيئة عُرفت بالعلم والأدب والشعر، وتلقى تعليمه وعمل مدرسًا قبل احتراف الفن، ثم تحول إلى واحد من أكبر رموز الأغنية الحضرمية والخليجية والعربية.
ولم يكن أبو بكر سالم ظاهرة منفصلة.
فحضرموت التي أنجبته هي حضرموت نفسها التي أخرجت حسين أبوبكر المحضار، وحداد بن حسن الكاف، وعايض بالوعل ومستور وغيرهم كثر في جيلهم الذين قد نصف بعضهم اليوم بأنهم شعراء عامية، بينما يكشف التدقيق في أشعارهم عن قدرة لغوية وصور شعرية وحكمة وعمق اجتماعي مذهل.
كان الشاعر الشعبي الحضرمي، في كثير من الأحيان، يحمل ثقافة أكبر بكثير مما توحي به شهادته الدراسية ان وجدت.
وكانت المجالس والأسواق والمنتديات والمساجلات الشعرية والرحلات والهجرة مدارس موازية للمدرسة الرسمية.
حضرموت لم تكن معزولة عن العالم
وهنا نصل إلى سر آخر من أسرار تلك المرحلة.
الحضرمي قبل 1967 لم يكن ابن الوادي أو الساحل فقط؛ كان جزءًا من شبكة بشرية تمتد من حضرموت إلى الحجاز وشرق أفريقيا والهند وسنغافورة وإندونيسيا.
وقد لعبت الهجرة الحضرمية دورًا بالغ الأهمية في نقل الأموال والأفكار والخبرات إلى الداخل.
وبالتالي كانت حضرموت، رغم بعدها الجغرافي، منفتحة على العالم بصورة مدهشة.
يسافر الحضرمي، ويتعلم ويتاجر ويكوّن العلاقات، ثم يعود بعض ما اكتسبه إلى قريته ومدينته.
ولهذا لم تكن الهجرة نزيفًا بشريًا فقط، بل كانت في أوقات كثيرة دورة لإنتاج المعرفة والثروة والخبرة.
ثم جاء عام 1967
عام 1967 لم يكن مجرد تغيير علم أو حكومة أو اسم دولة.
كان انقلابًا عميقًا في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لحضرموت.
انتهت السلطنتان الكثيرية والقعيطية، وادخلت حضرموت ضمن دولة الجنوب ، ثم اتجه النظام، خصوصًا بعد سيطرة الجناح اليساري الأكثر تشددًا، إلى النموذج الاشتراكي.
الدولة في جنوب اليمن اتجهت إلى تأميم معظم الأعمال التجارية ومصادرة مساحات واسعة من الملكيات الخاصة، فيما دخلت البلاد مرحلة سياسية راديكالية دفعت أعدادًا كبيرة إلى الهجرة والمنفى.
وفي حضرموت تحديدًا، طالت التحولات ممتلكات الأسر التجارية والميسورة، وصودرت عدد من قصور وممتلكات الأسر الحضرمية وتحويل بعضها إلى استخدامات عامة وسكنية.
وهنا حدث التحول الأخطر:
لم تتغير الدولة وحدها، بل تغيرت البيئة التي كانت تنتج المبادرة الحضرمية.
عندما تراجعت المبادرة أمام الدولة
قبل 1967 كان في حضرموت السلطان والتاجر والمهاجر والعالم والجمعية والمدرسة الأهلية والنادي الثقافي والمحسن والمكتبة والبعثة الدراسية.
لم يكن المجتمع ينتظر الحكومة في كل شيء.
تاجر يمول مدرسة.
ومهاجر يبتعث طالبًا.
وجمعية تنشئ معهدًا.
ومحسن يؤسس مكتبة.
وطلاب يؤسسون اتحادًا.
وشعراء يتنافسون في المنتديات والمجالس.
وتشير الوثائق إلى وجود اتحاد للطلبة الحضارم منذ مطلع الستينيات بفروع في المكلا وسيئون والشحر وشبام والقطن والغيل، يمارس أنشطة ثقافية وفكرية وسياسية، وينشئ المكتبات والمسابقات ويسعى للحصول على منح للطلاب.
أي أننا أمام مجتمع كان يتحرك من أسفل إلى أعلى.
اليوم هناك توسع في التعليم لكن المشكلة أن التوسع في التعليم شيء، وصناعة النخبة شيء آخر.
قد تبني ألف فصل دراسي، ولكن ذلك لا يضمن أن تنتج باكثيرًا جديدًا.
وقد تمنح عشرة آلاف شهادة جامعية، ولكن الشهادة وحدها لا تنتج شاعرًا كالمحضار ولا فنانًا كأبي بكر سالم ولا عالمًا أو مفكرًا صاحب مشروع.
الكارثة لم تكن في المدرسة وحدها
ولهذا أعتقد أن وصف ما حدث بأنه «انهيار للتعليم» وحده لا يشرح المشكلة.
ما انكسر كان أوسع.
انكسرت أجزاء من المنظومة الحضرمية المنتجة للتميز:
المبادرة الفردية، والاستقلال الاقتصادي، والمجتمع الأهلي، والتنافس الثقافي، وصلات الداخل بالمهاجر، وتعدد مراكز التأثير، ومكانة المعلم والعالم والأديب والتاجر الداعم للثقافة.
وعندما تضعف هذه العناصر مجتمعة، فإن المجتمع يستطيع أن ينتج خريجين، لكنه يجد صعوبة أكبر في إنتاج رواد.
وهذا هو الفارق الكبير.
والمفارقة المؤلمة أننا اليوم نملك كل شيء تقريبًا
اليوم يمتلك الطالب الحضرمي هاتفًا يستطيع من خلاله الوصول إلى مكتبات العالم.
لدينا جامعات وكليات ومدارس وآلاف المعلمين.
ويمكن للشاب في سيئون أو تريم أو المكلا أن يستمع خلال ثوانٍ إلى محاضرة في جامعة في لندن أو القاهرة أو نيويورك.
ومع ذلك يظل السؤال قائمًا:
لماذا لا يتناسب حجم الإبداع الحضرمي المعاصر مع حجم الإمكانات المتاحة؟
لماذا استطاعت حضرموت محدودة الموارد أن تقدم أسماء تجاوزت حدودها إلى العالم العربي، بينما نعاني اليوم في تحويل هذا العدد الهائل من الخريجين إلى حركة علمية وفكرية وثقافية بحجم تاريخ حضرموت؟
الإجابة، في تقديري، أن المشكلة لم تعد مشكلة معلومات، بل مشكلة بيئة.
فالإنترنت يعطيك المعلومة، لكنه لا يصنع مجتمعًا قارئًا.
والجامعة تعطيك الشهادة، لكنها لا تضمن أن تصنع مفكرًا.
والمال يبني مبنى المدرسة، لكنه لا يستطيع وحده بناء عقل الإنسان.
الأخطر أن بعض أفكار الماضي ما زالت تحكم حاضرنا
مرّت عقود طويلة منذ 1967، وسقط النظام الاشتراكي بصورته القبيحه، وجرت حضرموت لوحده غير منصفه وتوالت الحروب والتحولات السياسية المتلاحقة.
ولذلك سيكون من غير المنصف تحميل كل مشكلات حضرموت الحالية لعام 1967 وحده.
لكن من المشروع أن نسأل:
هل تخلصنا فعلًا من الثقافة التي جعلت المجتمع تابعًا للسياسة بدل أن تكون السياسة في خدمة المجتمع؟
هل استعدنا قيمة المبادرة الفردية؟
هل أصبح التاجر الحضرمي شريكًا حقيقيًا في بناء التعليم والثقافة؟
هل استعدنا مؤسسات المجتمع المدني المستقلة والقوية؟
هل مدارسنا تبحث عن الموهوب أم عن الطالب الذي يحفظ الإجابة؟
هل جامعاتنا مصانع للأبحاث والأفكار أم مصانع للشهادات؟
وهل نعطي العالم والمثقف والشاعر والمعلم والمبدع المكانة التي كان المجتمع الحضرمي يمنحها لهم قديمًا؟
هذه الأسئلة أهم من الدخول في معركة بين أنصار الماضي وأنصار الحاضر.
حضرموت لا تحتاج أن تعود إلى ما قبل 1967
فنحن لا نستطيع إعادة التاريخ،
حضرموت تحتاج إلى شيء أكثر ذكاءً:
أن تستعيد الروح التي صنعت حضرموت ما قبل 1967، لا النظام السياسي الذي كان يحكمها.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار للعلم والمعلم.
إلى مدارس تكتشف الموهبة ولا تقتلها.
إلى بعثات حقيقية لأفضل الجامعات في العالم.
إلى وقف ثقافة التعيين والمحسوبية على حساب الكفاءة.
إلى صناديق أهلية يمولها رجال الأعمال الحضارم للبحث العلمي والابتعاث وجزء الله الشيخ عبدالله بقشان فهو وحيدا في هذا المضمار
إلى جوائز سنوية للعلماء والباحثين والمخترعين والشعراء والأدباء.
إلى إعادة الصلة المنظمة بين حضرموت وأبنائها الناجحين في السعودية والخليج وشرق آسيا وأوروبا وأميركا.
وإلى ثقافة تقول للشاب الحضرمي إن قيمته فيما يعرفه وما ينتجه، لا في قربه من مسؤول أو حزب أو جماعة.
حضرموت لم تكن عظيمة لأنها كانت غنية
وهذه ربما أهم خلاصة في القصة كلها.
حضرموت القديمة لم تكن تمتلك النفط الذي تمتلكه اليوم، ولم تكن لديها الجامعات ولا المطارات الحديثة ولا شبكة الطرق والاتصالات ولا الإنترنت.
لكنها امتلكت إنسانًا يؤمن بقيمة العلم، وأسرة تدفع ابنها إليه، وتاجرًا يموله، ومهاجرًا يفتح له أبواب العالم، ومجتمعًا يحترم نجاحه.
فخرج منها باكثير.
وخرج منها أبو بكر سالم.بدوي زبير وغيرهم
وخرج المحضار.
وحداد الكاف. وبالوعل ومستور وغيرهم
وخرج العلماء والقضاة والتجار والشعراء والمربون الذين حملوا اسم حضرموت بعيدًا عن حدودها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل الحضارم اليوم ليس:
كيف نعيد حضرموت إلى ما قبل 1967؟
بل:
كيف نعيد بناء الإنسان الحضرمي الذي كان قادرًا، رغم فقر الإمكانات، على أن يكون أكبر من إمكاناته؟
فالأوطان لا تنهض بكثرة شهاداتها ولا بارتفاع مبانيها ولا بحجم موازناتها وحدها.
الأوطان تنهض حين تبني بيئة تسمح لأفضل ما في الإنسان أن يظهر.
وحضرموت أثبتت في تاريخها أنها قادرة على صناعة المبدعين.
المشكلة ليست أن الأرض عقمت، ولا أن الحضرمي فقد موهبته.
المشكلة أن المصنع الذي كان يصنع ذلك التميز تعطلت أجزاء كثيرة منه منذ عقود.
ومهمة هذا الجيل ليست البكاء على مصنع الأمس، بل إعادة تشغيله بأدوات العصر.
فحضرموت التي أنجبت كل أولئك في زمن الشح، يفترض أن تكون اليوم، في زمن المعرفة المفتوحة والإمكانات الأكبر، أكثر قدرة على الإنجاب والإبداع لا أقل.
صحيفة الرأية الحضرمية صحيفة حضرمية مستقلة