هل بدأت مرحلة التهيئة السياسية لمعركة الحوثيين؟
أمين بارفيد
عادة لا تبدأ الحروب بإطلاق الصواريخ، بل تبدأ ببناء البيئة السياسية والقانونية التي تمنح أي عمل عسكري شرعيته، وتؤسس لتحالفاته، وتحدد خصمه أمام الرأي العام الدولي. ومن يراقب المشهد خلال الساعات الماضية يلاحظ أن المنطقة قد تكون دخلت هذه المرحلة بالفعل.
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحوثيين لم تأتِ بصيغة التحذير التقليدي، بل حملت رسالة واضحة بأن تهديد الملاحة في البحر الأحمر لن يُترك دون رد. وتزامن ذلك مع بيان باكستان الذي ربط أي اعتداء على السفن المرتبطة بتجارتها أو مصالحها البحرية بأمنها القومي، ثم جاء بيان الإمارات ليؤكد اصطفافًا خليجيًا داعمًا للسعودية، قبل أن يختتم مجلس الوزراء السعودي المشهد بالتأكيد على اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أمن المملكة وملاحتها وفق القانون الدولي.
قد تبدو هذه المواقف منفصلة، لكنها عند قراءتها في سياق استراتيجي ترسم صورة مختلفة. فالولايات المتحدة توفر مظلة الردع الدولية، والدول الإقليمية تبني جبهة سياسية موحدة، فيما تؤسس السعودية للغطاء القانوني لأي تحرك محتمل. وهذه هي المراحل التقليدية التي تسبق عادةً أي عمل عسكري واسع، حيث يُبنى التحالف أولًا، ثم تُعزل الجهة المستهدفة سياسيًا، قبل الانتقال إلى الميدان.
هذا لا يعني أن قرار الحرب قد صدر، لكنه يعني أن الظروف السياسية والإقليمية التي كانت تعيق أي مواجهة واسعة مع الحوثيين تبدو اليوم أقل حضورًا من أي وقت مضى. والأخطر بالنسبة للجماعة أن تهديداتها لم تعد تُعامل بوصفها جزءًا من الصراع اليمني، بل أصبحت تُقدَّم كتهديد مباشر لأمن الملاحة الدولية والطاقة العالمية، وهو توصيف يوسع دائرة الأطراف المستعدة للتحرك.
ويبقى السؤال: هل يقود هذا التحشيد إلى عمل عسكري، أم أنه مجرد وسيلة لفرض تسوية سياسية بشروط مختلفة؟
في الحالتين، تبدو النتيجة الاستراتيجية متقاربة. فإذا لم يفضِ هذا الضغط إلى مواجهة عسكرية، فمن المرجح أن يكون مقدمة لفرض تسوية سياسية تُرغم الحوثيين على الدخول فيها من موقع أضعف، وهي تسوية لن تخرج -على الأرجح- عن المرجعيات المعترف بها إقليميًا ودوليًا، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 2216، الذي يقوم على استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح وقرار استخدام القوة بيد الدولة الشرعية، وإنهاء أي تشكيلات عسكرية موازية لها.
وبذلك، سواء انتهى هذا التحشيد إلى مواجهة عسكرية أو إلى تسوية سياسية، فإن الاتجاه الاستراتيجي يبدو واحدًا: إنهاء نموذج الميليشيا التي تجمع بين السلاح والسلطة خارج إطار الدولة، والانتقال إلى معادلة تستعيد فيها الدولة اليمنية الشرعية احتكار القوة والسيادة وإدارة مؤسسات الحكم، فيما يتحول الحوثيون – إذا قبلوا بذلك – إلى مكون سياسي مدني يمارس نشاطه ضمن الدستور والقانون، لا كقوة عسكرية تحتفظ بسلاحها وسلطتها إلى جانب الدولة.
صحيفة الرأية الحضرمية صحيفة حضرمية مستقلة