الأربعاء , سبتمبر 2 2026

التعيينات في حضرموت بين معايير الكفاءة وحسابات السياسة.. إلى أين يتجه المستقبل؟

التعيينات الإدارية ليست مجرد قرارات وظيفية، بل هي رسالة سياسية وإدارية تعكس فلسفة الدولة أو السلطة القائمة في إدارة المجتمع. فمن خلالها يدرك المواطن ما إذا كانت الأولوية تُمنح للكفاءة والخبرة والإنجاز، أم للاعتبارات السياسية والحزبية والمناطقية والتوازنات المرحلية.
في حضرموت، يبرز سؤال مشروع يردده كثير من المواطنين: ما هي الضوابط الحقيقية التي تُبنى عليها التعيينات؟ وهل تعتمد على الكفاءة والسجل المهني والقدرة على الإنجاز، أم أن هناك معايير أخرى أصبحت أكثر تأثيرًا في صناعة القرار؟
إذا كانت الكفاءة هي الأساس، فمن الطبيعي أن يتم الحفاظ على الكوادر التي أثبتت نجاحها، وتطويرها والاستفادة من خبراتها، لأن استمرارية النجاح تصنع مؤسسات مستقرة. أما إذا تم استبعاد عناصر مشهود لها بالإنجاز واستبدالها بأشخاص لم يقدموا نتائج إيجابية في تجاربهم السابقة، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة المعايير المستخدمة.
عمليًا، تخضع التعيينات في كثير من البيئات السياسية لعدة محددات، منها:
الكفاءة والخبرة المهنية.
النزاهة والسجل الإداري.
التوازنات السياسية.
الاعتبارات الحزبية.
التوازنات القبلية أو المناطقية.
الولاء لمركز القرار.
القدرة على إدارة المرحلة الراهنة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول المحددات السياسية إلى المعيار الأول، بينما تصبح الكفاءة مجرد عنصر ثانوي. عندها لا تُبنى المؤسسات على الإنجاز، وإنما على الولاءات، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى الخدمات والتنمية وثقة المجتمع.
ومن الناحية الإدارية، فإن أي مؤسسة تستبعد العناصر المنتجة دون وجود بدائل أكثر كفاءة، فإنها تفقد جزءًا من خبراتها المتراكمة، وتبدأ دورة جديدة من التعلم والتجربة قد تستغرق سنوات، وهو ما ينعكس على أداء المؤسسات وجودة الخدمات.

  حضرموت اليوم لا تعاني فقط من تحديات اقتصادية أو خدمية، بل تواجه تحديًا في إدارة رأس المال البشري. فالمحافظات لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما بالعقول والخبرات التي تدير تلك الموارد بكفاءة.
كما أن العدالة المجتمعية لا تتحقق بمجرد توزيع المناصب بين المكونات، وإنما بإعطاء الفرصة للأكثر قدرة على خدمة الناس، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو المناطقي. فالمواطن لا يعنيه اسم المسؤول بقدر ما يعنيه مستوى الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والطرق وفرص العمل.
ومن زاوية أخرى، قد تكون بعض قرارات التعيين ناتجة عن حسابات سياسية يراها متخذ القرار ضرورية للحفاظ على التوازن أو الاستقرار. لكن هذه الحسابات، إذا استمرت طويلًا على حساب الكفاءة، فإنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لأن تراجع الأداء يولد فقدان الثقة، وفقدان الثقة ينعكس على الاستقرار نفسه.
ويبقى سؤال مهم: هل توجد شخصيات حضرمية تؤثر في هذا التوجه؟
من الطبيعي أن يكون لأي نخب سياسية أو اجتماعية أو قبلية أو حزبية دور في ترشيح الأسماء أو التأثير على القرار، لكن المسؤولية النهائية تظل على عاتق الجهة التي تتخذ قرار التعيين، لأنها تتحمل نتائج النجاح أو الإخفاق أمام المواطنين والتاريخ.
إن حضرموت بحاجة إلى مرحلة بناء مؤسسي حقيقي تمتد لسنوات، تقوم على التخطيط والاستقرار الإداري واستثمار الكفاءات، لا على تدوير الوجوه أو تغيير المسؤولين وفق اعتبارات آنية. فالتنمية لا تتحقق بتغيير الأشخاص فقط، وإنما ببناء منظومة تعتمد على معايير واضحة للمساءلة والإنجاز.
وفي النهاية، فإن نجاح أي سلطة في حضرموت سيقاس بعد سنوات ليس بعدد القرارات التي أصدرتها، وإنما بما تحقق على أرض الواقع من تحسن في الخدمات، وتنمية الاقتصاد، وتعزيز العدالة، وصناعة مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار. أما إذا بقي معيار التعيين بعيدًا عن الكفاءة، فإن المحافظة ستظل تدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الأسماء والمناصب.

عن editor

شاهد أيضاً

حضرموت لا تُدار بالشعارات

كتب / أمين بن كده لم تعد حضرموت اليوم هي حضرموت الأمس، ولم يعد الحضارم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com